أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
168
العقد الفريد
هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقومهم بطاعتك ، ليس يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ؛ لم يسكنوا الأصلاب ، ولم تضمّهم الأرحام ؛ أنشأتهم إنشاء ، وأسكنتهم سماواتك ، وأكرمتهم بجوارك ، وائتمنتهم على وحيك ، وجنبتهم الآفات ، ووقيتهم السيئات ، وطهرتهم من الذنوب ؛ فلو لا تقويتك لم يقووا ، ولولا تثبيتك لم يثبتوا ، ولولا رهبتك لم يطيعوا ، ولولاك لم يكونوا ؛ أما إنهم على مكانتهم منك ، ومنزلتهم عندك ، وطول طاعتهم إياك - لو يعانون ما يخفي عليهم لاحتقروا أعمالهم ، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ؛ فسبحانك خالقا ومعبودا ومحمودا ، بحسن بلائك عند خلقك ! أنت خلقت ما دبرته مطعما ومشربا ، ثم أرسلت داعيا إلينا ، فلا الداعي أجبنا ، ولا فيما رغّبتنا فيه رغبنا ، ولا إلى ما شوّقتنا إليه اشتقنا ؛ أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع وقد زاد بعضنا على بعض حرصا لما يرى بعضنا من بعض ، فافتضحنا بأكلها واصطلحنا على حبها ، فأعمت أبصار صالحينا وفقهائنا ، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة ، ويسمعون بآذان غير سميعة ، فحيثما زالت زالوا معها ، وحيثما مالت أقبلوا إليها ، وقد عاينوا المأخوذين على الغرّة كيف فجأتهم الأمور ، ونزل بهم المحذور ، وجاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون ، وقدموا من الآخرة ما كانوا يوعدون : فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور ، وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور ، فاجتمعت عليهم حسرتان : حسرة الفوت « 1 » وحسرة الموت ، فاغبرت لها وجوههم وتغيرت بها ألوانهم ، وعرقت بها جباههم ، وشخصت أبصارهم ، وبردت أطرافهم ، وحيل بينهم وبين المنطق ، وإن أحدهم لبين أهله ، ينظر ببصره ، ويسمع بأذنه ؛ ثم زاد الموت في جده حتى خالط بصره ، فذهبت من الدنيا معرفته ، وهلكت عند ذلك حجته ، وعاين هول أمر كان مغطى عليه فأحدّ لذلك بصره ؛ ثم زاد الموت في جده حتى بلغت نفسه الحلقوم ، ثم خرج من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا ، ولا يسمع باكيا ؛ فنزعوا ثيابه وخاتمه ، ثم وضّئوه وضوء الصلاة ، ثم غسلوه وكفنوه إدراجا في أكفانه وحنطوه ، ثم حملوه إلى قبره ، فدلوه في حفرته ، وتركوه
--> ( 1 ) الفوت : يقال : جعل اللّه رزقه فوت يده : أي حيث يراه ولا يصل إليه .